About Me

My photo
ouled derradj, m'sila, Algeria
أنا خليفة بركة من الجزائر أعمل أستاذا للغة العربية زاولت مهنة التعليم منذ 1990 ثم توقفت بسبب المرض ...

Tuesday, August 4, 2009

التقرير السنوي لمنظمة العفو الدولية لعام 2009

المقدمة

ليست مجرد أزمة اقتصادية، بل هي أزمة لحقوق الإنسان

أيرين خان

في سبتمبر/أيلول 2008 ، كنتُ في نيويورك للمشاركة في اجتماع رفيعالمستوى عُقد في الأمم المتحدة بشأن أهداف التنمية الألفية، وهي الأهدافالمتفق عليها دولياً لتقليص الفقر بحلول عام 2015 . وقد تحدث المندوبون،الواحد تلو الآخر، عن الحاجة إلى تخصيص مزيد من الأموال للقضاء علىالجوع، وتقليص عدد حالات الوفاة التي يمكن تفاديها في صفوف الأطفالالرضَّع والنساء الحوامل، وتوفير المياه النظيفة والصرف الصحي، وتعليمالبنات. لقد كانت حياة وكرامة مليارات البشر مطروحة على بساط البحث؛ولكن من دون توفر إرادة تُذكر لدعم الكلام بالمال. وعندما غادرتُ مبنىالأمم المتحدة، كانت أشرطة الأخبار تحمل نبأ مختلفاً تماماً من جانب آخر منمنهاتن: وهو انهيار أحد أضخم المصارف الاستثمارية في «وول ستريت ». وقدكان ذلك إشارة ساطعة إلى المجال الذي يتركز عليه اهتمام العالم ومواردهفي حقيقة الأمر. فقد أصبحت الحكومات الثرية والقوية، فجأة، قادرة علىتوفير مبالغ أضخم مرات عدة من المبالغ اللازمة للقضاء على الفقر والتي لمتستطع أن توفرها، وقامت بضخِّها بسخاء في المصارف الفاشلة، وقدمت رزمالمساعدات لتنشيط الاقتصادات التي كان قد أُطلق لها العنان لسنوات عديدةوارتطمت الآن بالأرض.

وبحلول نهاية عام 2008 ، أصبح واضحاً أن عالم الطبقتين من الحرمان والشره– عالم إفقار الكثرة من الناس لإشباع جشع القلة – أخذ في الانهيار والسقوطإلى قاع الهاوية.

وكما في تغير المناخ، كذلك هي الحال في الركود الاقتصادي العالمي: فالأغنياءمسؤولون عن معظم الأعمال المدمرة، ولكن الفقراء هم الذين يكابدون أسوأعواقبها. وفي الوقت الذي لا يسلم أحد من عضة الركود، فإن ويلات البلدانالغنية لا تُذكر مقارنةً بالكوارث التي تحلُّ بالبلدان الفقيرة. فمن العمالالمهاجرين في الصين إلى عمال المناجم في كاتنغا بجمهورية الكونغوالديمقراطية يشعر الناس الذين يحاولون يائسين انتشال أنفسهم من براثنالفقر بأن كواهلهم تنوء بالأوزار. ويتوقع البنك الدولي أن يقع 53 مليونشخص آخر تحت نير الفقر إضافةً إلى ال 150 مليوناً الذين ضربتهم أزمةالغذاء في العام الماضي، مما أدى إلى شطب مكتسبات العقد الأخير برمته.وتشير أرقام منظمة العمل الدولية إلى أن بين 18 و 51 مليون شخص يمكنأن يفقدوا وظائفهم. كما يؤدي الارتفاع الجنوني لأسعار الغذاء إلى مزيد منالجوع والمرض، وأن تؤدي عمليات الإجلاء القسري والإغلاق إلى مزيد منالتشرد والكرب.

"إن العالم بحاجة إلى نوع مختلف من القيادة ونوع مختلف من السياسة والاقتصاد...نوع يعمل لمصلحة الجميع وليس للأقلية ذات الامتيازات."

وفي حين أن من السابق لأوانه التنبؤ بالأثر الكامل للإسراف الذي حدث فيالسنوات الأخيرة على أوضاع حقوق الإنسان، فإن من الواضح أن الثمن الذيستدفعه حقوق الإنسان، وعواقب الأزمة الاقتصادية المترتبة عليها، ستلقيبظلال طويلة الأمد. ومن الواضح أيضاً أن الحكومات لم تتخلَّ عن أنظمتهاالاقتصادية والمالية لقوى السوق فحسب، وإنما عجزت بشكل مطبق عن حمايةحقوق الإنسان وحياة البشر ووسائل عيشهم.

ويعاني بلايين البشر من انعدام الأمن والعدل والكرامة؛ وهذه أزمة في حقوقالإنسان.

وتتعلق الأزمة بنقص الغذاء والماء والوظائف والأرض والسكن، وبتنامي انعدامالمساواة، وانعدام الأمن، وكراهية الأجانب، والعنصرية والعنف والقمع. وهذهجميعاً تشكل أزمة عالمية تستلزم حلولاً عالمية تقوم على أساس التعاون الدوليوحقوق الإنسان وحكم القانون. ومن المؤسف أن الحكومات القوية تركز علىالعواقب المالية الاقتصادية الضيقة في بلدانها وتتجاهل الأزمة العالمية الأوسع.وحتى إذا فكرت باتخاذ إجراءات دولية، فإنها تحصرها في الجوانب الماليةوالاقتصادية، وبالتالي فإنها إنما تعيد إنتاج أخطاء الماضي نفسها.

إن العالم بحاجة إلى نوع مختلف من القيادة، ونوع مختلف من السياسةوالاقتصاد – نوع يعمل للجميع وليس للأقلية ذات الامتيازات. إننا بحاجة إلىقيادة من هذا النوع، قادرة على نقل الدول من الاهتمام بالمصالح الذاتية الوطنيةالضيقة إلى التعاون المتعدد الأطراف، كي تكون الحلول مشتركة وشاملةومستدامة وتراعي احترام حقوق الإنسان. ولذا فإن التحالفات بين الحكوماتوالمؤسسات، التي تقوم على توقعات التحسن المالي على حساب الفئات الأشدتهميشاً يجب أن تُحل، كما أن تحالفات المصالح التي تحمي الحكومات منالمحاسبة على الانتهاكات التي ترتكبها يجب أن تنتهي.

لانعدام المساواة وجوه عدة

يشير العديد من الخبراء إلى ملايين البشر الذين انتُشلوا من ربقة الفقر بفضلالنمو الاقتصادي، ولكن الحقيقة هي أن أعداداً أكبر من هؤلاء تُركت عالقة فيبراثنه، وأن المكتسبات كانت هشة - مثلما أظهرت الأزمة الاقتصادية الأخيرة– وثمن حقوق الإنسان كان باهظاً جداً. وغالباً ما أُزيحت حقوق الإنسان إلىالمقعد الخلفي مع قيام طاغوت العولمة المنفلت من عقاله بدفع العالم إلى حالةهيجان في النمو في السنوات الأخيرة. فكانت العواقب واضحة: تنامي انعدامالمساواة والحرمان والتهميش وانعدام الأمن؛ وقمع أصوات المحتجين معتطاول وإفلات الجناة من العقاب؛ وبقاء الجهات المسؤولة عن الانتهاكات-الحكومات والشركات الكبرى والمؤسسات المالية الدولية – غير نادمة وغيرخاضعة للمحاسبة على تلك الانتهاكات. وثمة علامات متنامية على الاضطراباتالسياسية وأعمال العنف التي تضاف إلى حالة انعدام الأمن في العالم الموجودةأصلاً بسبب النزاعات المميتة التي يبدو أن المجتمع الدولي غير قادر على حلهاأو غير راغب في ذلك. بعبارة أخرى، إننا نجلس على برميل بارود من انعدامالمساواة وانعدام العدالة وانعدام الأمن، وهو على وشك الانفجار.

وعلى الرغم من استمرار النمو الاقتصادي في العديد من بلدان أفريقيا، فإنملايين البشر هناك مازالوا تحت خط الفقر، يصارعون من أجل تلبية احتياجاتهمالأساسية. وتعتبر أمريكا اللاتينية المنطقة الأشد معاناة من انعدام المساواةفي العالم، حيث السكان الأصليون وغيرهم من أفراد المجتمعات المهمشةفي المناطق الريفية والحضرية محرومون من حقهم في الرعاية الصحيةوالمياه النظيفة والتعليم والسكن الملائم؛ على الرغم من النمو الكبير فياقتصاداتها الوطنية. وتنطلق الهند كعملاق آسيوي قوي، ولكنها لم تتصدَّ بعدلحالة الحرمان التي يكابدها فقراء المدن أو المجتمعات المهمشة في المناطقالريفية. وتصبح الفجوة في مستويات المعيشة في الصين بين العمال الريفيينوالمهاجرين وبين الطبقات الحضرية الموسرة أكثر اتساعاً ووضوحاً.

إن أغلبية سكان العالم اليوم تقطن في المناطق الحضرية، ويعيش أكثر منمليار نسمة من بين هؤلاء في مدن الصفيح الفقيرة، أي أن واحداً من كل ثلاثةأشخاص من سكان المدن يعيش في مسكن غير ملائم لا تتوفر فيه الخدماتالأساسية، وتحت التهديد اليومي لحالة انعدام الأمن وحوادث العنف والإجلاءالقسري. دعوني أعطي مثالاً واحداً على ذلك: فثمة نحو 150,000 كمبودييعيشون في ظل خطر الإجلاء القسري في أعقاب نشوب النزاعات على الأرضوالاستيلاء على الأراضي والمشاريع الزراعية – الصناعية وإعادة تطويرالمناطق الحضرية.

ولم يقتصر انعدام المساواة، كمنتَج ثانوي للعولمة، على السكان الذين يعيشونفي البلدان النامية. فقد أظهر تقرير منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرفي أكتوبر/تشرين الأول 2008 ، أن «النمو الاقتصادي الذي حدث في العقودالأخيرة قد عاد بالفائدة على الأغنياء أكثر من الفقراء » في البلدان الصناعية.واحتلت الولايات المتحدة، وهي أغنى بلد في العالم، المرتبة السابعة والعشرينمن أصل الدول الثلاثين الأعضاء في منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية منحيث استحكام الفقر وتزايد التفاوت في الدخل.

ومن فقراء المدن في أحياء الصفيح في ريو دي جانيرو بالبرازيل إلى طوائف«الروما » في البلدان الأوروبية، تقف الحقيقة المُرة بأن العديد من البشريقاسون الفقر بسبب سياسات التمييز، الظاهرة والمستترة، والتهميشوالإقصاء التي تمارسها الدولة أو تتغاضى عنها، مع تواطؤ الشركات أو الفاعلينالخاصين. وليست محض صدفة أن العديد من فقراء العالم هم من النساءوالمهاجرين والأقليات الدينية أو العرقية. وليست محض صدفة أن وفياتالأمهات عند الولادة مازالت تشكل واحدة من أشد القتَلة فتكاً في عصرنا هذا، معأن إنفاق الحد الأدنى من الأموال على الرعاية الطارئة في مجال الولادة من شأنهأن ينقذ أرواح مئات الآلاف من النساء في سن الحمل.

ولعل في حالة مجتمعات السكان الأصليين مثالاً واضحاً على التواطؤ بينمصالح الشركات والدول لحرمان الناس من أراضيهم ومصادرهم الطبيعية.ففي بوليفيا، تعيش أعداد كبيرة من عائلات مجتمع «غواراني » للسكان الأصليينفي منطقة تشاكو في ظروف وصفتها لجنة الدول الأمريكية بأنها أعمال سخرةأشبه بالاسترقاق. وعقب زيارته إلى البرازيل في أغسطس/آب 2008 ، انتقدالمقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بالسكان الأصليين «استمرار التمييز الذييقوم عليه وضع السياسات وتقديم الخدمات وإقرار العدالة » للسكان الأصليينفي البلاد.

وتمتد سمة انعدام المساواة لتشمل نظام العدالة نفسه. وفي مسعى لتعزيزاقتصاد السوق وتشجيع الاستثمار من جانب الشركات الأجنبية والفاعلينالخاصين، قامت المؤسسات المالية الدولية بتمويل الإصلاحات القانونية فيالقطاع التجاري في عدد من البلدان النامية. بيد أنه لم تُبذل مساع مماثلة لضمانقدرة الفقراء على تأكيد حقوقهم وطلب الإنصاف، عن طريق المحاكم، علىالانتهاكات التي ترتكبها الحكومات أو الشركات. ووفقاً للجنة الأمم المتحدةالمعنية بالتمكين القانوني للفقراء، فإن نحو ثلثي سكان العالم لا يستطيعونالوصول إلى سُبل العدالة بصورة حقيقية.

لانعدام الأمن أشكال عدة

من المرجح أن تزداد أعداد الأشخاص الذين يعيشون تحت نير الفقرويتعرضون لانتهاكات حقوق الإنسان مع تضافر عدة عوامل في مناخ الركودالاقتصادي. فأولاً، أدت سياسات التكييف الهيكلي التي دامت ثلاثة عقود، بقيادةصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، إلى إفراغ شبكات الضمان الاجتماعي فيالبلدان النامية والمتطورة على السواء. وكانت سياسات التكييف الهيكلي قدصُممت لخلق ظروف داخل الدول من شأنها أن تدعم اقتصاد السوق وتفتحالأسواق الوطنية أمام التجارة الدولية. وأدت إلى إضعاف الدولة إلى الحد الأدنى،حيث تخلَّت الحكومات عن التزاماتها المتعلقة بالحقوق الاقتصادية والاجتماعيةلمصلحة السوق. وبالإضافة إلى الدعوة إلى تحرير الاقتصاد، فإن سياساتالتكييف الهيكلي دفعت باتجاه خصخصة الخدمات العامة، وإلغاء تقنين علاقاتالعمل وتقليص شبكات الضمان الاجتماعي. وغالباً ما أدى ارتفاع تكاليفخدمات التعليم والرعاية الصحية، الناجم عن سياسات البنك الدولي وصندوقالنقد الدولي، إلى وضع هذه الخدمات بعيداً عن متناول الفئات الأشد فقراً.والآن، مع فوضى الاقتصاد وارتفاع معدلات البطالة، أخذ العديد من الأشخاصيواجهون فقدان تأمينهم الاجتماعي، وليس دخلهم فحسب، من دون وجودشبكات ضمان تساعدهم في الأوقات العصيبة.

وثانياً، إن انعدام الأمن الغذائي العالمي، على الرغم من خطورته، يكاد لا يحظىباهتمام يُذكر من جانب المجتمع الدولي. ووفقاً لتقديرات منظمة الأمم المتحدةللأغذية والزراعة، فإن نحو مليار إنسان يكابدون الجوع وسوء التغذية. وشهدتمعدلات الجوع ارتفاعاً حاداً نتيجة لنقص الغذاء الناجم عن عقود من خفضالاستثمار في الزراعة، والسياسات الخاصة بالتجارة التي شجعت على إغراقالسوق، وما ترتب على ذلك من تدمير للمزارعين المحليين، وتغير المناخ الذيأدى إلى نقص المياه بصورة متزايدة وإفقار الأرض، وزيادة الضغط السكاني،وارتفاع تكاليف الطاقة والاندفاع نحو الوقود الحيوي.

وفي العديد من الأماكن تفاقمت أزمة الغذاء بسبب التمييز والتلاعب بعمليةتوزيع الغذاء، ومنع وصول المساعدات الإنسانية الضرورية للغاية، وانعدامالأمن والنزاع المسلح، مما يؤدي إلى تدمير إمكانات الزراعة، أو يحرمالناس من الحصول على الموارد التي يحتاجونها لإنتاج الغذاء أو شرائه. ففيزمبابوي، حيث كان خمسة ملايين إنسان بحاجة إلى مساعدات غذائية بحلولنهاية عام 2008 ، استخدمت الحكومة المواد الغذائية كسلاح ضد معارضيهاالسياسيين. وفي كوريا الشمالية، وضعت السلطات قيوداً على المساعداتالغذائية بشكل متعمد لقمع الناس وإدامة جوعهم. وأسفرت أساليب «الأرضالمحروقة »، التي استخدمتها القوات المسلحة السودانية ومليشيا الجنجويدالمدعومة من الحكومة لمكافحة التمرد، إلى تدمير وسائل المعيشة، فضلاً عنإزهاق أرواح العديد من الأشخاص في دارفور. وحُرم المدنيون النازحونالعالقون في شمال سري لنكا، بسبب النزاع الدائر هناك ، من المساعداتالغذائية وغيرها من المساعدات الإنسانية لأن الجماعة المسلحة المعروفة باسم«نمور تحرير تاميل عيلام » لم تسمح للسكان بالمغادرة، ولأن القوات المسلحةالسريلانكية لم تسمح بدخول منظمات الإغاثة بحرية تامة. ولعل إحدى أبشعحالات الحرمان من الحق في الحصول على الغذاء، في عام 2008 ، تمثلت فيرفض سلطات ميانمار وصول المساعدات الدولية إلى 2.4 مليون إنسان ممنهم بحاجة ماسة للغاية إليها في «سايكلون نرجيس » لمدة ثلاثة أسابيع، فيالوقت الذي عمدت الحكومة إلى تحويل مواردها من أجل إجراء استفتاء مشوببالمثالب على دستور تشوبه مثالب أكثر.

ويضاف إلى ارتفاع أسعار المواد الغذائية تسريح مئات الآلاف من العمالالمهاجرين أو الأجانب. كما تتباطأ الاقتصادات الموجهة نحو التصدير، وتطلُّسياسة الحماية الاقتصادية برأسها. وتعتبر حوالات العمال الأجانب، التي تصلقيمتها إلى 200 مليار دولار أمريكي سنوياً – ما يعادل عدة أضعاف المستوىالعالمي لمساعدات التنمية فيما وراء البحار – مصدراً مهماً للدخل بالنسبةللبلدان ذات الدخل المتدني والمتوسط، من قبيل بنغلاديش والفلبين وكينياوالمكسيك. ولذا فإن تناقص الحوالات يعني تناقص العوائد لهذه الحكوماتوانخفاض المبالغ النقدية التي تُنفق على السلع والخدمات الأساسية. وعلاوةعلى ذلك، فإن هبوط معدلات تصدير القوى العاملة يؤدي إلى ترك مزيد منالشباب العاطلين عن العمل في قراهم في حالة من خيبة الأمل والغضب،ويجعلهم فريسة سهلة للتطرف والعنف.

في هذه الأثناء، وحتى مع انكماش أسواق العمل، يستمر ضغط الهجرة فيالازدياد، وتلجأ البلدان المستقبِلة للمهاجرين إلى استخدام أساليب أقسى لإبقائهمبعيدين عنها. ففي يونيو/حزيران 2008 ، قمتُ بزيارة إلى المقبرة العامة فيتناريف في جزر الكناري، حيث تنطق القبور المجهولة بشهادات صامتة عنفشل المهاجرين الأفارقة في دخول أسبانيا. ففي عام 2008 وحده، شقَّ 67,000شخص طريقهم في عمليات عبور مهلِكة للبحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا، حيثغرق عدد غير معروف منهم في تلك العمليات. أما الذين نجحوا في العبور، فإنهميعيشون حياتهم في الظل من دون أوراق هوية، وهم عرضة للاستغلال وإساءةالمعاملة، وتحت التهديد الدائم بالترحيل، الذي تسبقه فترة اعتقال طويلة؛ وذلكنتيجة توجهات الاتحاد الأوروبي الخاصة بعمليات الإعادة لعام 2008.

ووقَّع بعض الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، كإسبانيا، اتفاقيات ثنائيةمع بلدان أفريقية تقضي بإعادة المهاجرين أو منعهم من المغادرة في المقامالأول. وترى بلدان من قبيل موريتانيا في هذه الاتفاقيات رخصة للاعتقالالتعسفي والاحتجاز في ظروف سيئة والترحيل بشكل غير قانوني لأعداد كبيرةمن الأجانب الموجودين على أراضيها، من دون توفر أدلة على نيتهم بمغادرةموريتانيا بصورة غير قانونية؛ وحتى لو كانت لديهم هكذا نوايا، فإن مغادرةموريتانيا بصورة غير قانونية لا تعتبر جريمة.

ومع دفع المزيد من الناس نحو ظروف محفوفة بالمخاطر أكثر من أي وقتمضى، تزداد التوترات الاجتماعية. ولعل أحد أسوأ حوادث العنف الناجمة عنالعنصرية وكراهية الأجانب، في عام 2008 ، هو الذي وقع في جنوب أفريقيا فيمايو/أيار، عندما قُتل 60 شخصاً وجُرح 600 آخرون، ونزح عشرات الآلاف منالأشخاص، حتى مع دخول عشرات آلاف غيرهم إلى البلاد طلباً للجوء وهرباً منالعنف السياسي والحرمان في زمبابوي المجاورة. ومع أن التحقيقات الرسميةفشلت في تحديد أسباب الهجمات، فإنه يُعتقد على نطاق واسع أن دوافعها كانتكراهية الأجانب، والتنافس على الوظائف والسكن والخدمات الاجتماعية التيأسهم الفساد في تفاقمها.

إن التعافي الاقتصادي يعتمد على الاستقرار السياسي. ومع ذلك فإن زعماءالعالم أنفسهم الذين يتهافتون على تقديم رزم حوافز لإنعاش الاقتصاد العالمي،ظلوا يتجاهلون النزاعات المميتة الدائرة في شتى أنحاء العالم، والتي تخلقانتهاكات هائلة لحقوق الإنسان، وتعمِّق الفقر وتعرِّض الاستقرار الإقليميللخطر. وعندما يمتزج النزاع المسلح الطويل الأجل مع آثار الركود الاقتصاديالعالمي، فإن العواقب يمكن أن تكون مميتة.

إن الظروف الاقتصادية والاجتماعية في قطاع غزة المحاصر والذي دمرتهالهجمات العسكرية باتت مروعة. كما أن النتائج السياسية والاقتصادية للنزاعالدائر في إسرائيل والأراضي الفلسطينية المحتلة تُحدث أصداء تتجاوز محيطهاالجغرافي المباشر.

وتدور النزاعات في دارفور والصومال في مناطق ذات أنظمة بيئية هشة،حيث يشكل ازدياد الضغط على مصادر المياه والقدرة على توفير الغذاءالضروري لبقاء السكان، سبباً ونتيجةً معاً لاستمرار الحروب. كما أن عملياتالنزوح الضخمة التي ولَّدتها هذه الحروب أدت إلى توليد ضغوط هائلة علىالبلدان المجاورة التي يتعين عليها الآن أن تواجه العواقب الإضافية للأزمةالاقتصادية العالمية.

وفي شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية، تنافس الجشع والفساد والمصالحالاقتصادية مع سياسة القوى الإقليمية على إفقار الناس وزجِّهم في مصيدةحلقة عنف جهنمية مستمرة. وتجد هذه الدولة، التي تتمتع بثروات طبيعيةهائلة، أن الجهود من أجل إعادة البناء والتعافي تتراجع بسبب تراجعالاستثمارات الأجنبية في أعقاب الهبوط الاقتصادي.

وفي أفغانستان، أدى تفشي انعدام الأمن إلى تقييد قدرة السكان الذينيعيشون هناك على الحصول على الغذاء والرعاية الصحية والتعليم المدرسي،وخاصةً النساء والفتيات منهم. وقد تسربت حالة انعدام الأمن عبر الحدودإلى باكستان المجاورة، التي تعاني أصلاً من عجز الحكومة عن احترام حقوقالإنسان ومعالجة الفقر والبطالة في صفوف الشباب، ويدفع البلاد إلى دوامةالعنف المتطرف.

وإذا كان ثمة درس واحد ينبغي أن نتعلمه من الأزمة الاقتصادية، فهو أن الحدودالدولية لا تعصمنا من الأذى. إذ أن إيجاد حلول لأسوأ نزاعات العالم وللتهديدالمتزايد الذي يمثله العنف المتطرف من خلال المزيد من احترام حقوق الإنسانيعتبر جزءاً لا يتجزأ من الصورة الأكبر لوضع الاقتصاد العالمي على قدميه.

من الركود إلى القمع

إننا نواجه خطراً كبيراً من أن يؤدي تزايد الفقر وبؤس الظروف الاقتصاديةوالاجتماعية إلى انعدام الاستقرار السياسي والعنف الجماعي، هذا من ناحية.ومن ناحية أخرى، ربما ينتهي بنا المطاف إلى وضع يكون فيه الركود مصحوباًبمزيد من القمع، حيث تعمد الحكومات المحاصرة – ولاسيما الحكومات ذاتالنزعة الاستبدادية – إلى شن حملة قمعية قاسية ضد المعارضة والنقد وفضحالفساد وسوء الإدارة الاقتصادية على الملأ.

في عام 2008 حاولنا التنبؤ بما ينتظرنا في عام 2009 وما بعده. وعندما خرجالناس إلى الشوارع احتجاجاً على ارتفاع أسعار المواد الغذائية والظروفالاقتصادية المزرية، تم التعامل مع تلك الاحتجاجات، وحتى السلمية منها، بصورةقاسية في العديد من البلدان. ففي تونس أُخمدت الإضرابات والمظاهرات بالقوة،مما أسفر عن مقتل شخصين وجرح عدد آخر، ومحاكمة أكثر من 200 شخص منالمنظِّمين المزعومين، تُوِّج بعضها بإصدار أحكام بالسجن مدداً طويلة على عددمنهم. وفي زمبابوي، تعرض المعارضون السياسيون ونشطاء حقوق الإنسانوممثلو النقابات العمالية للهجوم والاختطاف والاعتقال والقتل مع إفلات الجناةمن العقاب. وفي الكاميرون، إثر اندلاع مظاهرات عنيفة، قُتل بالرصاص قرابة100 شخص من المتظاهرين، بينما سُجن عدد أكبر.

في أوقات الشدائد الاقتصادية والتوترات السياسية، تكون ثمة حاجة إلىالانفتاح والتسامح، لكي يتم توجيه مشاعر عدم الرضا وعدم الاقتناع نحوالحوار البناء والبحث عن الحلول. ومع ذلك، فإنه في هذه الظروف بالضبطتنكمش المساحة المتاحة للمجتمع المدني في العديد من البلدان. إذ يتعرضنشطاء حقوق الإنسان والصحفيون والمحامون والنقابيون وغيرهم من قادةالمجتمع المدني للمضايقة والتهديد والاعتداء والملاحقة القضائية من دونمبررات، أو للقتل مع إفلات الجناة من العقاب في سائر أنحاء العالم.

ومن المرجح أن يتم تشديد الرقابة على وسائل الإعلام مع محاولة الحكوماتخنق الانتقادات لسياساتها، وهو أمر يُضاف إلى التهديدات التي يواجههاالصحفيون أصلاً في العديد من البلدان. وتتمتع سري لنكا بأحد أسوأ السجلاتفي هذا المجال، حيث قُتل 14 صحفياً منذ عام 2006 . وشددت إيران القيودعلى حرية استخدام الشبكة الدولية، بينما قامت كل من سوريا ومصر بحبسالمدونين. وعمدت الصين إلى تخفيف السيطرة على وسائل الإعلام في فترةالتحضير لدورة الألعاب الأولمبية في بكين، ولكنها سرعان ما عادت إلى عادتهاالقديمة بإسكات منتقديها وترهيبهم. وحظرت الحكومة الماليزية جريدتينمعارضتين بارزتين خوفاً من الانتقادات في فترة التحضير للانتخابات.

ولم تؤد الأسواق المفتوحة بالضرورة إلى مجتمعات مفتوحة. فقد تجرأتالحكومة الروسية، بفضل قوتها الاقتصادية المستمدة من ارتفاع أسعارالنفط والغاز، على تبني موقف قومي واستبدادي في السنوات الأخيرة علىنحو متزايد، وعملت جاهدةً على تآكل حرية التعبير ومهاجمة منتقديها.ومع تعرض الاقتصاد الروسي للمشاكل بسبب هبوط أسعار النفط وارتفاعمعدلات التضخم، ومع انتشار التذمر الاجتماعي على نطاق واسع، فقد أصبحتالاتجاهات الاستبدادية أكثر وضوحاً وعلنية.

ولا تزال الصين تقمع بقسوة أولئك الذين ينتقدون سياساتها وممارساتهاالرسمية. والنتيجة أنه لا يتم التصدي للفساد الرسمي والممارسات السيئةللشركات إلا بعد أن يصبح من المتعذر إخفاء الفضيحة وبعد وقوع الكثير منالضرر، مثلما أظهر ذعر وباء «سارز »/انفلونزا الطيور، أو وباء فيروس نقصالمناعة المكتسب/الأيدز قبل بضع سنوات، أو الفضيحة التي انفجرت مؤخراًوالمتعلقة بوجود الميلامين في منتجات مسحوق الحليب. وكان رد فعل الصينيينقاسياً بإعدام أشخاص بارزين ممن وُجدوا مذنبين بتهمة الفساد؛ ولكنها لم تفعلشيئاً يُذكر لتغيير سلوك الشركات أو المسؤولين الرسميين في الصين.

إن بناء مواطنين متبصرين يتمتعون بالقدرة على المطالبة بالمساءلة هو خيرضمانة لأن تؤدي الحكومات والشركات واجباتها على أكمل وجه. وتعتبرالحرية من الأصول التي ينبغي المحافظة عليها وتشجيعها لا قمعها، في الوقتالذي تسعى الحكومات إلى تحفيز الاقتصاد.

نوع جديد من القيادة

"مجموعة العشرين يجب أن تحترم القيم العالمية وأن تواجه سجلاتها الملطخة بالانتهاكات وازدواجية معاييرها الخاصة بحقوق الإنسان."

يعتبر الحرمان وانعدام المساواة والظلم وانعدام الأمن والقمع من علامات الفقر.وهي تمثل بوضوح مشكلات في مجال حقوق الإنسان، ولا تخضع للمقاييسالاقتصادية وحدها. كما أنها تتطلب إرادة سياسية قوية ورداً شاملاً يدمج القضاياالسياسية والاقتصادية والاجتماعية والبيئية ضمن إطار عام لحقوق الإنسانوحكم القانون. كما تقتضي عملاً جماعياً ونوعاً جديداً من القيادة.

لقد أحدثت العولمة الاقتصادية تحولاً في ميزان القوى الجيو- سياسية، ويتسلمجيل جديد من الدول، على شكل مجموعة العشرين G20 ، زمام قيادة العالم.وهذه المجموعة المؤلفة من الصين والهند والبرازيل وجنوب أفريقيا وغيرهامن البلدان ذات الاقتصادات الناشئة من جنوب الكرة الأرضية، إلى جانب روسياوالولايات المتحدة والبلدان الغربية ذات الاقتصادات القائدة، تدعي أنها تشكلتمثيلاً أكثر دقة للقوة السياسية والنفوذ الاقتصادي في عالم اليوم. وقد يكونذلك صحيحاً، ولكن كي تصبح دول مجموعة العشرين قيادات عالمية حقاً،فإنها يجب أن تحترم القيم العالمية، وأن تواجه سجلاتها الملطخة بالانتهاكاتوازدواجية معاييرها الخاصة بحقوق الإنسان.

حقاً، إن الإدارة الأمريكية الجديدة تشق طريقاً مختلفاً مميَّزاً في مجال حقوقالإنسان مقارنةً بإدارة بوش. فقرار الرئيس أوباما، في الساعات الثمانيةوالأربعين الأولى من توليه منصب الرئاسة، بإغلاق معسكر الاعتقال فيغوانتنامو في غضون سنتين، ونبذ التعذيب بلا مواربة ووضع حد للاعتقالاتالسرية على أيدي وكالة المخابرات المركزية، كان قراراً يستحق الترحيب، مثلماكان قرار إدارته بالسعي إلى أن تنتخب الولايات المتحدة في مجلس حقوقالإنسان. بيد أنه من السابق لأوانه القول إن هذه الإدارة ستدعو الدول الصديقةلها، كإسرائيل والصين، إلى احترام حقوق الإنسان بنفس الصراحة والقوةاللتين تدعو بهما دولاً أخرى كإيران والسودان.

ولا يزال التزام الاتحاد الأوروبي بحقوق الإنسان يتسم بالمواربة. فعلى الرغممن موقفه الصلب تجاه قضايا، من قبيل عقوبة الإعدام وحرية التعبير وحمايةالمدافعين عن حقوق الإنسان، فإن العديد من الدول الأعضاء في الاتحادالأوروبي أقل استعداداً للالتزام بالمعايير الدولية المتعلقة بحماية اللاجئينوالقضاء على العنصرية والتمييز داخل حدودها، أو الاعتراف بتواطؤها معوكالة المخابرات المركزية في عمليات تسليم ونقل المعتقلين المشتبه فيضلوعهم بالإرهاب بصورة غير قانونية.

وتعتبر البرازيل والمكسيك من المؤيدين الأقوياء لحقوق الإنسان على المستوىالدولي، ولكنهما للأسف غالباً ما لا تمارسان داخل حدودهما ما تدعوان إليهفي الخارج. ومنعت جنوب أفريقيا بشكل مستمر الضغوط الدولية على حكومةزمبابوي من أجل وضع حد للاضطهاد السياسي والتلاعب بالانتخابات. وتعتقلالمملكة العربية السعودية آلاف الأشخاص الذين يُشتبه في أنهم إرهابيون مندون محاكمة، وتحتجز المعارضين السياسيين، وتفرض قيوداً قاسية علىحقوق العمال المهاجرين والنساء. ولدى الصين نظام عدالة جنائية تشوبهالمثالب، وتستخدم أشكالاً عقابية من الاعتقال الإداري بهدف إسكات منتقديها،وتُعتبر الدولة الأولى في تنفيذ عمليات الإعدام في العالم. وتسمح الحكومةالروسية بانتعاش عمليات الاعتقال التعسفي والتعذيب وإساءة المعاملةوالإعدام خارج نطاق القضاء في مناطق شمال القوقاز، وتهديد الأشخاص الذينيتجرؤون على انتقادها، مع إفلات الجناة من العقاب.

إن من واجب أولئك المتربعين على سدة العالم أن يضربوا مثلاً يُقتدى بهفي سلوكهم. وإن قيام مجموعة العشرين بإرسال إشارة واضحة مفادها أنجميع حقوق الإنسان الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية والمدنيةتكتسي أهمية متساوية، يمكن أن يشكل بداية جيدة. ولطالما أنكرت الولاياتالمتحدة الحقوق الاقتصادية والاجتماعية، وهي ليست دولة طرفاً في العهدالدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. أما الصين، منناحية أخرى، فهي ليست دولة طرفاً في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنيةوالسياسية. ويتعين على الحكومتين الانضمام فوراً إلى هذين العهدين. كمايتعين على جميع الدول الأعضاء في مجموعة العشرين التصديق على البرتوكولالاختياري الملحق بالعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعيةوالثقافية الذي اعتمدته الجمعية العامة للأمم المتحدة في ديسمبر/كانون الأول2008 . بيد أن الانضمام للمعاهدات الدولية ليس سوى خطوة واحدة على طريقما ينبغي القيام به.

فرص جديدة للتغيير

لقد خلق الفقر- الذي تفاقم نتيجةً للأوضاع الاقتصادية - منصة مشتعلةللانطلاق منها لتغيير أوضاع حقوق الإنسان. وفي الوقت نفسه، أشعلتالأزمة الاقتصادية فتيل تحول نموذجي من شأنه أن يتيح الفرص لإحداثتغيير منهجي.

"يتعين على الحكومات أن تستثمر في حقوق الإنسان كهدف مثلما تستثمر في النمو الاقتصادي."

فعلى مدى العقدين الماضيين، ما فتئت الدولة تتراجع عن التزاماتها في مجالحقوق الإنسان أو تتنكر لها لمصلحة السوق، اعتقاداً منها بأن النمو الاقتصاديمن شأنه أن يحمل جميع السفن. ومع انحسار المد وثقب السفن وتسرب الماءإليها، بدأت الحكومات بتغيير مواقفها جذرياً والحديث عن بنية مالية عالميةجديدة ونظام حاكمية دولي جديد، تلعب فيه الدولة دوراً أقوى. وهذا الأمريتيح فرصة لوقف تراجع الدولة عن المجال الاجتماعي، وإعادة رسم نموذجللدولة أكثر مراعاة لحقوق الإنسان من النموذج الذي ظل يصنع القرار الدوليعلى مدى السنوات العشرين الماضية. كما أنه يخلق إمكانية إعادة التفكير بدورالمؤسسات المالية الدولية من حيث احترام حقوق الإنسان، ومنها الحقوقالاقتصادية والاجتماعية، وحمايتها والإيفاء بها.

ويتعين على الحكومات أن تستمر في الإيفاء بحقوق الإنسان مثلما تستمر فيالنمو الاقتصادي، وينبغي أن تعمد إلى توسيع نطاق الفرص الصحية والتعليميةودعمها؛ ووضع حد للتمييز؛ وتمكين المرأة؛ ووضع معايير عالمية وأنظمةفعالة لمساءلة الشركات على انتهاكات حقوق الإنسان؛ وبناء مجتمعات مفتوحةيكون فيها مبدأ حكم القانون محترماً، والتماسك الاجتماعي قوياً، والفسادخاضعاً للتدقيق والمراقبة والحكومات خاضعة للمساءلة والمحاسبة. وينبغي ألاتصبح الأزمة الاقتصادية ذريعة للبلدان الأكثر غنى لخفض مساعداتها التنموية.بل إن المساعدات الدولية أصبحت اليوم، في ظروف الهبوط الاقتصادي، أكثرأهمية من ذي قبل، وذلك لمساعدة بعض البلدان الأشد فقراً على توفير الخدماتالأساسية في مجالات الصحة والتعليم والصرف الصحي والإسكان.

كما يتعين على الحكومات أن تعمل معاً على حل النزاعات المميتة؛ إذ أنتجاهل أزمة ما للتركيز على أخرى إنما هو بمثابة وصفة أكيدة لتفاقم الأزمتينعلى السواء.

فهل تغتنم الحكومات هذه الفرص لتعزيز حقوق الإنسان؟ وهل تقبل الشركاتوالمؤسسات المالية الدولية مسؤولياتها في مجال حقوق الإنسان وتلتزمبها؟ حتى الآن، لم تظهر حقوق الإنسان في عمليات التشخيص أو الوصفاتالمقترحة من قبل المجتمع الدولي.

ويُظهر التاريخ أن معظم النضالات من أجل التغييرات الكبرى - من قبيل إلغاءالرق أو تحرير المرأة - لم يبدأ كمبادرات من قبل الدول، وإنما كجهود للناسالعاديين. فالنجاحات في مجال إقامة العدالة الدولية أو الحد من تجارة الأسلحةأو إلغاء عقوبة الإعدام أو مكافحة العنف ضد المرأة أو إدراج قضية الفقرالعالمي والتغير المناخي في جدول الأعمال الدولي، إنما أُحرزت نتيجة للطاقاتوالإبداع والمثابرة التي تحلى بها ملايين النشطاء من سائر أنحاء الكوكب.

يجب أن نعود الآن إلى قوة الناس كي نمارس ضغوطاً على زعمائنا السياسيين.ولهذا السبب ستطلق منظمة العفو الدولية حملة جديدة في عام 2009 ، بالتعاونمع العديد من المنظمات المحلية والوطنية والدولية الشريكة. وتحت شعار«فلنطالب بالكرامة »، سنقوم بتعبئة الأشخاص من أجل المطالبة بمساءلةالفاعلين الوطنيين والدوليين على انتهاكات حقوق الإنسان التي تسبب الفقروتؤدي إلى تفاقمه. وسنطعن في القوانين والسياسات والممارسات التيتنطوي على تمييز، ونطالب باتخاذ تدابير ملموسة من أجل التغلب على العواملالتي تؤدي إلى إفقار الناس وتحافظ على ديمومة فقرهم. وسننقل أصواتالناس الذين يعيشون تحت نير الفقر إلى قلب الحوار الهادف إلى وضع حدللفقر، وسنصرُّ على السماح لهم بالمشاركة بشكل فعال في اتخاذ القرارات التيتؤثر على حياتهم.

"كما أننا «نطالب بالكرامة» لسجناء الفقر، كي يتمكنوا من تغيير حياتهم."

قبل نحو خمسين عاماً، رأت منظمة العفو الدولية النور عبر نداء من أجل إطلاقسراح سجناء الرأي। أما اليوم، فإننا «نطالب بالكرامة» لسجناء الفقر، كييتمكنوا من تغيير حياتهم. وإنني على ثقة بأن جهودنا، بمساعدة ودعم ملايينالأعضاء والمؤازرين والشركاء في سائر أنحاء العالم، ستتكلل بالنجاح.

http://report2009.amnesty.org/ar/introduction

No comments: